فخر الدين الرازي
85
تفسير الرازي
يدل عليه قوله تعالى : * ( إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون ) * ثم قال تعالى : * ( تنزيل من رب العالمين ) * ( الواقعة : 77 - 80 ) إشارة إلى تنزيله بعد تعليمه ، وعلى هذا ففي النظم حسن زائد وذلك من حيث إنه تعالى ذكر أموراً علوية وأموراً سفلية ، وكل علوي قابله بسفلي ، وقدم العلويات على السفليات إلى آخر الآيات ، فقال : * ( علم القرآن ) * إشارة إلى تعليم العلويين ، وقال : * ( علمه البيان ) * إشارة إلى تعليم السفليين ، وقال : * ( الشمس والقمر ) * ( القيامة : 9 ) في العلويات وقال في مقابلتهما من السفليات : * ( والنجم والشجر يسجدان ) * ( الرحمن : 6 ) . ثم قال تعالى : * ( والسماء رفعها ) * ( الرحمن : 7 ) وفي مقابلتها : * ( والأرض وضعها ) * ( الرحمن : 10 ) ، وثانيهما : أن تقديم تعليم القرآن إشارة إلى كونه أتم نعمة وأعظم إنعاماً ، ثم بين كيفية تعليم القرآن ، فقال : * ( خلق الإنسان علمه البيان ) * وهو كقول القائل : علمت فلاناً الأدب حملته عليه ، وأنفقت عليه مالي ، فقوله : حملته وأنفقت بيان لما تقدم ، وإنما قدم ذلك لأنه الإنعام العظيم . المسألة الثانية : ما الفرق بين هذه السورة وسورة العلق ، حيث قال هناك : * ( إقرأ باسم ربك الذي خلق ) * ( العلق : 1 ) ثم قال : * ( وربك الأكرم الذي علم بالقلم ) * ( العلق : 3 ، 4 ) فقدم الخلق على التعليم ؟ نقول : في تلك السورة لم يصرح بتعليم القرآن فهو كالتعليم الذي ذكره في هذه السورة بقوله : * ( علمه البيان ) * بعد قوله : * ( خلق الإنسان ) * . المسألة الثالثة : ما المراد من الإنسان ؟ نقول : هو الجنس ، وقيل : المراد محمد صلى الله عليه وسلم ، وقيل : المراد آدم والأول أصح نظراً إلى اللفظ في * ( خلق ) * ويدخل فيه محمد وآدم وغيرهما من الأنبياء . المسألة الرابعة : ما البيان وكيف تعليمه ؟ نقول : من المفسرين من قال : البيان المنطق فعلمه ما ينطق به ويفهم غيره ما عنده ، فإن به يمتاز الإنسان عن غيره عن الحيوانات ، وقوله : * ( خلق الإنسان ) * إشارة إلى تقدير خلق جسمه الخاص ، و * ( علمه البيان ) * إشارة إلى تميزه بالعلم عن غيره . وقد خرج ما ذكرنا أولاً أن البيان هو القرآن وأعاده ليفصل ما ذكره إجمالاً بقوله تعالى : * ( علم القرآن ) * كما قلنا في المثال حيث يقول القائل : علمت فلاناً الأدب حملته عليه ، وعلى هذا فالبيان مصدر أريد به ما فيه المصدر ، وإطلاق البيان بمعنى القرآن على القرآن في القرآن كثير ، قال تعالى : * ( هذا بيان للناس ) * ( آل عمران : 138 ) وقد سمى الله تعالى القرآن فرقاناً وبياناً والبيان فرقان بين الحق والباطل ، فصح إطلاق البيان ، وإرادة القرآن . المسألة الخامسة : كيف صرح بذكر المفعولين في علمه البيان ولم يصرح بهما في علم القرآن نقول : أما إن قلنا : إن المراد من قوله علم القرآن هو أنه علم الإنسان القرآن ، فنقول حذفه لعظم نعمة التعليم وقدم ذكره على من علمه وعلى بيان خلقه ، ثم فصل بيان كيفية تعليم القرآن ، فقال : * ( خلق الإنسان علمه ) * وقد بين ذلك ، وأما إن قلنا : المراد * ( علم القرآن ) * الملائكة فلأن المقصود تعديد النعم على الإنسان ومطالبته بالشكر ومنعه من التكذيب به ، وتعليمه للملائكة لا يظهر للإنسان أنه فائدة